الشيخ الأميني
293
الغدير
في شجاعة أبي بكر بما لا مزيد عليه حتى حسبوه أشجع الصحابة ، وقد شهد مشاهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم كلها وما سل فيها سيفا ، ولا نزل في معترك قتال ، ولا تقدم لبراز أي مجالد ، وما رئي قط مناضلا ، وما شوهد يوما في ميادين الحراب منازلا ، فأكثروا القول فيها وجاؤا بأحاديث خرافة في شجاعته رجاء أن يثبت له منها شئ تجاه تلك الدراية الثابتة بالمحسوس المشاهد ( 1 ) . ويبالغون في زهده وتقواه وجعلوا كبده مشويا من خوف الله والدخان يتصاعد من فمه إلى السماء مهما تنفس ، ولم يثبت له ميز في العبادة ولم يرو عنه الاكثار من الصوم والصلاة ومن كل ما يقربه إلى الله زلفى ( 2 ) . ويبالغون في علم عمر وجعلوه أعلم الصحابة في يومه على الإطلاق وأفقههم في دين الله ، وحابوه تسعة أعشار العلم ، راجحا علمه علم أهل الأرض ، علم أحياء العرب في كفة الميزان ، وجاؤا فيه بكثير لدة هذه الخرافات ( 3 ) والرجل قد ألهاه الصفق بالأسواق عن علم الكتاب والسنة ، وكل الناس أفقه منه حتى ربات الحجال أخذا بقوله وهو الصادق المصدق فيه ( 4 ) . ويبالغون في إنكاره الباطل وبغضه الغناء ونكيره الشديد عليه ، وقد ثبت من شكيمته أنه كان يتعاطاه ويجوزه ( 5 ) . ولما وجدوا أن التاريخ الصحيح وما ثبت من سيرة عثمان ينفي عنه ملكة الحياء ويمثله للمجتمع بما يضادها ، نسجوا له النسج المبرم ، وأتوا بالمخازي ووضعت يد الافتعال فيها ما سمعت من الأفائك ، حتى جعلوه أشد أمة محمد حياء وأحياها وأكرمها ، حييا تستحي منه الملائكة . فحياء عثمان كشجاعة أبي بكر وعلم عمر سالبة بانتفاء موضوعاتها ، وهي فيهم تضاهي أمانة معاوية وعلمه الواردين فيما يعزى إليه صلى الله عليه وآله وسلم من قوله : كاد أن يبعث معاوية نبيا من كثرة علمه وائتمانه على كلام ربي . وقوله :
--> ( 1 ) راجع ما أسلفناه في الجزء السابع ص 200 - 215 ط 2 . ( 2 ) راجع ما أسلفناه في الجزء السابع ص 219 - 222 ط 2 . ( 3 ) راجع ما مر في الجزء السادس ص 82 ، 331 ، والجزء الثامن ص 62 ، 63 ط 2 . ( 4 ) راجع ما أسلفناه في الجزء السادس من " نوادر الأثر في علم عمر " . ( 5 ) راجع ما مر في الجزء الثامن ص 64 - 81 ، 86 ، 94 - 96 ط 2 .